حسن عيسى الحكيم

294

المفصل في تاريخ النجف الأشرف

وطلب المثنى من جنده الإفطار قبيل المعركة حيث أنها كانت في شهر رمضان من عام 13 ه ، فقام خطيبا وقال : ( إنكم صوام والصوم مرقة ومضعفة ، وإني أرى من الرأي أن تفطروا ثم تقووا بالطعام على قتال عدوكم ) « 1 » . وأخذ يجوب بفرسه ( الشموس ) فصائل الجند يأمرهم بالصبر والثبات بقوله : ( إن الذي تسمعون فشل ، فألزموا الصمت وائتمروا همسا ) ، ووقف على قادة الرايات يحرضهم على القتال ويأمرهم بأمره ويهزّهم بأحسن ما فيهم بقوله : إني لأرجو أن لا يؤتى الناس من قبلكم اليوم ، واللّه ما يسرني اليوم لنفسي شيء إلا وهو يسرني لعامّتكم ، فيجيبونه بمثل ذلك ، وأنصفهم من نفسه في القول والفعل وخلط الناس في المحبوب والمكروه فلم يقدر أحد أن يعيب له قولا ولا فعلا . ثم قال المثنى : ( إني مكبّر ثلاثا فتهيئوا ، ثم احملوا في الرابعة ) « 2 » . وقال المؤرخ الطبري : ( فلما كبّر أول تكبيرة أعجلهم أهل فارس وعالجوهم فخالطوهم مع أول تكبيرة ، وركدت حربهم مليا ، فرأى المثنى خللا في بعض صفوفه ، فأرسل إليهم رجلا وقال : إن الأمير يقرأ عليكم السلام ويقول : لا تفضحوا المسلمين اليوم ، فقالوا نعم واعتدلوا ) « 3 » . أما الفرس فقد أعدّوا العدة لقتال المسلمين ( ثلاثة صفوف مع كل صف فيل ) « 4 » ، وقد أرادوا بذلك تجديد تجربة موقعة ( الجسر ) التي استشهد فيها أبو عبيد الثقفي وجرح فيها المثنى بن حارثة الشيباني . وعند عبور الفرس نهر الفرات ، توقفوا عند ( دير الأعور ) وهو دير يقع بظاهر الكوفة . وعند التحام القتال ، شدد الفرس على بني عجل فألحقوا فيهم خسائر في محاولة لهزيمتهم وإضعاف المعنوية القتالية في فصائل الجيش الإسلامي الأخرى . ولكن المثنى أدرك الغاية ، وأراد اقتحام الفرس من جهة القلب والقضاء على

--> ( 1 ) الطبري : التاريخ 2 / 461 . ( 2 ) ابن الأثير الكامل في التاريخ 2 / 304 . ( 3 ) الطبري : التاريخ 3 / 465 . ( 4 ) ابن الأثير : الكامل 2 / 304 .